محمد الريشهري

41

موسوعة معارف الكتاب والسنة

فَأَعرَضَ عَنِ الدُّنيا بِقَلبِهِ ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِهِ ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زَينَتُها عَن عَينِهِ ، لِكَيلا يَتَّخِذَ مِنها رِياشاً « 1 » ، ولا يَعتَقِدُها قَراراً ، ولا يَرجو فيها مُقاماً ، فَأَخرَجَها مِنَ النَّفس ، وأشخَصَها عَنِ القَلبِ ، وغَيَّبَها عَنِ البَصَرِ ، وكَذلِكَ مَن أبغَضَ شَيئاً أبغَضَ أن يَنظُرَ إلَيهِ ، وأن يُذكَرَ عِندَهُ . ولَقَد كانَ في رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ما يَدُلُّكَ عَلى مَساوِئِ الدُّنيا وعُيوبِها ؛ إذ جاعَ فيها مَعَ خاصَّتِهِ « 2 » ، وزُوِيَت عَنهُ زَخارِفُها مَعَ عَظيمِ زُلفَتِهِ . فَليَنظُر ناظِرٌ بِعَقلِهِ : أكرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً بِذلِكَ أم أهانَهُ ؟ فَإِن قالَ : أهانَهُ ، فَقَد كَذَبَ - وَاللَّهِ العَظيمِ - بِالإِفكِ العَظيمِ ، وإن قالَ : أكرَمَهُ ، فَليَعلَم أنَّ اللَّهَ قَد أهانَ غَيرَهُ حَيثُ بَسَطَ الدُّنيا لَهُ ، وزَواها عَن أقرَبِ النّاسِ مِنهُ . فَتَأَسّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقتَصَّ أثَرَهُ ، ووَلَجَ مَولِجَهُ ، وإلّا فَلا يَأمَنِ الهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله عَلَماً لِلسّاعَةِ ، ومُبَشِّراً بِالجَنَّةِ ، ومُنذِراً بِالعُقوبَةِ . خَرَجَ مِنَ الدُّنيا خَميصاً ، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَليماً . لَم يَضَع حَجَراً عَلى حَجَرٍ حَتّى مَضى لِسَبيلِهِ وأجابَ داعِيَ رَبِّهِ . فَما أعظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِندَنا حينَ أنعَمَ عَلَينا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ ، وقائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ . وَاللَّهِ لَقَد رَقَعتُ مِدرَعَتي « 3 » هذِهِ حَتَّى استَحيَيتُ مِن راقِعِها . ولَقَد قالَ لي قائِلٌ : ألا تَنبِذُها عَنكَ ؟ فَقُلتُ : اغرُب عَنّي ، فَعِندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القَومُ السُّرى « 4 » . « 5 »

--> ( 1 ) . الرِّيشُ والرِّياشُ بمعنىً ؛ وهو اللباس الفاخِر . ويقال : المال والخِصْب والمعاش ( الصحاح : ج 3 ص 1008 « ريش » ) . ( 2 ) . خاصّته : اسم فاعل في معنى المصدر ، أي مع خصوصيّته وتفضّله عند ربّه ( تعليقة صبحي الصالح علىنهج البلاغة ) . ( 3 ) . المِدْرَعَة : ثَوبٌ ، ولا يكون إلّامن صوف ( القاموس المحيط : ج 3 ص 20 « درع » ) . ( 4 ) . السُّرى : سَير عامَّة الليل ( القاموس المحيط : ج 4 ص 341 « سرى » ) . وقولهم : « عندَ الصباح يحمَدُ القومُ السُّرى » هو مَثَلٌ لما يُنال بالمشقَّة ، ويوصَل إليه بالتَّعَب ( جمهرة الأمثال : ج 2 ص 38 الرقم 1293 ) . ( 5 ) . نهج البلاغة : الخطبة 160 ، بحار الأنوار : ج 16 ص 284 ح 136 .